الجصاص

77

أحكام القرآن

وقد اختلف في معنى السفهاء ههنا ، فقال ابن عباس : " السفيه من ولدك وعيالك " وقال : " المرأة من أسفه السفهاء " . وقال سعيد بن جبير والحسن والسدي والضحاك وقتادة : " النساء والصبيان " . وقال بعض أهل العلم : " كل من يستحق صفة سفيه في المال من محجور عليه وغيره " . وروى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال : " ثلاثة يدعون الله لا يستجاب لهم : رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) ، ورجل داين رجلا فلم يشهد عليه " . وروي عن مجاهد : " أن السفهاء النساء " . وقيل إن أصل السفه خفة الحلم ، ولذلك سمي الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ، ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله ، وليس السفه في هؤلاء صفة ذم ولا يفيد معنى العصيان لله تعالى ، وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تمييزهم عن القيام بحفظ المال . فإن قيل : لا خلاف أنه جائز أن نهب النساء والصبيان المال ، وقد أراد بشير أن يهب لابنه النعمان فلم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا لأنه لم يعط سائر بنيه مثله ، فكيف يجوز حمل الآية على منع إعطاء السفهاء أموالنا ؟ قيل له : ليس المعنى فيه التمليك وهبة المال ، وإنما المعنى فيه أن نجعل الأموال في أيديهم وهم غير مضطلعين بحفظها ، وجائز للإنسان أن يهب الصغير والمرأة كما يهب الكبير العاقل ولكنه يقبضه له من يلي عليه ويحفظ ماله ولا يضيعه ، وإنما منعنا الله تعالى بالآية أن نجعل أموالنا في أيدي الصغار والنساء اللاتي لا يكملن بحفظها وتدبيرها . وقوله عز وجل : ( وارزقوهم فيها واكسوهم ) ، يعني وارزقوهم من هذه الأموال ، لأن " في " ههنا بمعنى " من " إذ كانت حروف الصفات تتعاقب فيقام بعضها مقام بعض ، كما قال تعالى : ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) وهو بمعنى " مع " ، فنهانا الله عن دفع الأموال إلى السفهاء الذين لا يقومون بحفظها وأمرنا بأن نرزقهم منها ونكسوهم . فإن كان مراد الآية النهي عن إعطائهم مالنا على ما اقتضى ظاهرها ففي ذلك دليل على وجوب نفقة الأولاد السفهاء والزوجات لأمره إيانا بالإنفاق عليهم من أموالنا ، وإن كان تأويلها ما ذهب إليه القائلون بأن مرادها أن لا نعطيهم أموالهم وهم سفهاء ، فإنما فيه الأمر بالإنفاق عليهم من أموالهم . وهذا يدل على الحجر من وجهين ، أحدهما : منعهم من أموالهم ، والثاني : إجازته تصرفنا عليهم في الانفاق عليهم وشرى أقواتهم وكسوتهم . وقوله تعالى : ( وقولوا لهم قولا معروفا ) ، قال مجاهد وابن جريج : ( قولا معروفا ) عدة جميلة بالبر والصلة على الوجه الذي يجوز ويحسن . ويحتمل أن يريد به إجمال المخاطبة لهم وإلانة القول فيما يخاطبون به ، كقوله تعالى : ( فأما اليتيم فلا